خالد سعد يكتب : رمضان شهر الرحمة والغفران وعتق الرقاب من النيران

profile
  • clock 27 فبراير 2025, 8:01:28 م
  • eye 76
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
رمضان

الحمد لله الذي بلغنا رمضان، وجعلنا من أهل الصيام والقيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
فها هو رمضان، نفحة ربانية، وموسم للطاعات، وميدان لتنافس الصالحين، يُقبل علينا من جديد.


ها هو الشهر الذي انتظره المؤمنون، وشمّر لأجله الصالحون، وفرح بقدومه العابدون، وتلهف لاستقباله المخلصون.


إنه الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، إنه الشهر الذي تتنزل فيه البركات، وتضاعف فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، وتغفر فيه السيئات، وتعتق فيه الرقاب من النيران.

 

فكيف نُحسن الاستعداد لاستقباله؟ وكيف نعيشه كما عاشه السلف الصالح الذين فهموا قيمته فأحسنوا استغلاله؟

 

إنها فرصة العمر، فمن اغتنمها فاز، ومن ضيّعها خسر، ولا يدري أحدنا هل سيدرك رمضان آخر أم لا؟!

 

رمضان مدرسة التقوى والتزكية

لقد فرض الله الصيام على عباده، وجعل من حكمه العظيمة التقوى، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

فلماذا نصوم؟
هل نصوم فقط لنمتنع عن الطعام والشراب؟
هل نصوم فقط لأننا اعتدنا على ذلك منذ الصغر؟

كلا، بل نصوم لنحقق التقوى! والتقوى هي الغاية العظمى التي ينبغي أن يسعى العبد لتحقيقها، فهي ثمرة الصيام الكبرى، وهي السبيل إلى النجاة من العذاب، والفوز بالجنة، والقرب من الله تعالى.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الصوم يقطع أسباب الانشغال عن الله، ويهذب النفس، ويطهر القلب، ويرقق الفؤاد، ويقوي الإرادة، ويزيد الإخلاص، ويرفع الدرجات عند الله."

ويكفي أن نعلم أن الصيام عمل خالص لله، لا يطلع عليه أحد، ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي:

"كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" [متفق عليه].

ما أعظم هذا الفضل!
كل العبادات لها أجر معلوم، إلا الصيام، فإنه لله وحده، وهو الذي يتكفل بمجازاة الصائمين على قدر إخلاصهم وجهدهم.

ولذلك، فإن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب للنفس على الانضباط، وتهذيب للروح، وتقوية للإرادة، وتهيئة للقلب ليكون أكثر قربًا من الله تعالى.

رمضان فرصة لا تُعوض

جاءت الأحاديث النبوية تبين لنا عظمة هذا الشهر، وتكشف لنا عن كنوزه، وتحثنا على اغتنامه بكل وسيلة ممكنة.

١- أبواب الجنة مفتوحة وأبواب النار مغلقة

قال رسول الله ﷺ:
"إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين" [البخاري ومسلم].

فتأمل معي هذا الحديث!
باب الجنة مفتوح، والطريق إليها ميسور، والعوائق زالت، فهل بعد ذلك عذر للمفرّط؟!

٢- غفران الذنوب بالصيام والقيام

قال رسول الله ﷺ:
"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه" [البخاري ومسلم].
وقال ﷺ:
"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه" [البخاري ومسلم].

فأي فضل أعظم من هذا؟
صيام وقيام خالصان لله، كفيلان بمسح سجل الذنوب، وكأن العبد ولد من جديد!

٣- ليلة القدر – كنز رمضان الأعظم

قال تعالى:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3].

تخيل معي!
عبادة في ليلة واحدة تعادل عبادة أكثر من 83 عامًا!
أي عاقل يفرّط في مثل هذه الفرصة؟!

ولهذا كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان أيّما اجتهاد، ويحثّ أهله وأصحابه على تحرّي هذه الليلة المباركة.
كيف كان السلف يستعدون لرمضان؟

كان السلف الصالح يدركون عظمة رمضان، فكانوا يستعدون له قبل ستة أشهر، ثم يبكون عليه بعد انتهائه ستة أشهر!

١- كانوا يكثرون من الصيام قبله

فقد كان النبي ﷺ يكثر من الصيام في شعبان، وقال:
"ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم" [النسائي].

٢- كانوا يختمون القرآن مرات كثيرة

فكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم، وكان الإمام الشافعي يختمه ستين مرة في رمضان!

٣- كانوا يحرصون على التهجد وقيام الليل .   رمضان شهر القيام ولذلك تجد كثيرًا من الناس يحافظون على صلاة القيام ويملؤون المساجد في رمضان ، فقيام الله كان من  هدي السلف الصالح رضي الله عنهم، فقيام الليل دأب الصالحين وتجارة المؤمنين، ففي الليل يخلُون بربهم ويتوجهون إلى خالقهم، يشكون إليه أحوالهم ويسألونه من فضله؛ قال سعيد بن المسيِّب رحمه الله: إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجهه نورًا، يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط، فيقول: إني لأحب هذا الرجل.

قيل للحسن البصري رحمه الله: ما بال المتهجدين بالليل أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خَلَوْا بالرحمن، فألبسهم من نوره.
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسن بن زياد فقال له: يا حسين: ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: كذب من ادعى محبتي فإذا جنَّ الليل نام عني!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟ وعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر قال: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام، فيُستعجل الخدم بالطعام، مخافة الفجر.
أمر عمر بن الخطاب أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداري رضي الله عنهم أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمِئِين، حتى كنا نعتمد على العُصيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر".
وكان بعضهم يختم القرآن في التراويح كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم كل ليلة!

٤- كانوا يتصدقون بسخاء


كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحى فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
وكان ابن عمر رضي الله عنه لا يفطر إلا مع الفقراء، وكان الإمام مالك يوقف حلقات العلم ليتفرّغ للعبادة.


كيف نعيش رمضان على نهج السلف؟

 

١- استقبال رمضان بالتوبة النصوح

فلنجدد التوبة، ولنقلع عن الذنوب، ولنطهر قلوبنا من الأحقاد، حتى ندخل رمضان بقلب نقيّ.

٢- الإكثار من تلاوة القرآن وتدبّره

فلنجعل لأنفسنا وردًا ثابتًا من القرآن، لا يقل عن جزء يوميًا، مع التدبر والتأمل.

٣- المحافظة على صلاة التراويح والقيام

فلنحرص على الصلاة في المسجد، فهي من السنن العظيمة التي حرص عليها السلف.

٤- الإكثار من الصدقة والإحسان

فلنخصص مبلغًا يوميًا أو أسبوعيًا للصدقة، ولنتذكر أهلنا في فلسطين وغزة، فهم في أمسّ الحاجة إلى دعمنا ودعائنا.

٥- الاجتهاد في الدعاء، خاصة عند الإفطار وفي العشر الأواخر

فلنرفع أيدينا بالدعاء لأنفسنا وأهلنا، وللمستضعفين والمظلومين، وخاصة إخواننا في فلسطين وسائر بلاد المسلمين.
رمضان فرصة العمر، فكيف نستغله؟

يا ايها الحبيب، لا تدع رمضان يمر عليك كأي شهر آخر، فهو فرصة العمر، ومن لم يغتنم رمضان فمتى سيغتنم؟!

نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار.
اللهم بلّغنا رمضان، وبارك لنا فيه، وتقبّله منا خالصًا لوجهك الكريم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)