كاتب صهيوني بـ معاريف: الواقع في مقابل "إدراك الواقع": إسرائيل مطالَبة بشيء مختلف

profile
  • clock 4 أبريل 2025, 11:08:15 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
كاتب صهيوني بـ معاريف: الواقع في مقابل "إدراك الواقع": إسرائيل مطالَبة بشيء مختلف

لطالما كان الشرق الأوسط منطقة تتّسم "بما يقال علناً وبما يُضمَر سراً". من جهة، تُقال أمور في العلن، ولها وزن، ومن جهة أُخرى، يمكن أن تجري تحت السطح عمليات تعكس فعلياً اتجاهات الرأي والمزاج العام. على سبيل المثال، مصر، فهي وسيط موضوعي، ظاهرياً، ودولة حدودية لها مصالح مشتركة مع إسرائيل (بما في ذلك العداء المشترك للإخوان المسلمين)، ورؤية مشتركة، ومصلحة في الحفاظ على السلام مع إسرائيل. لكن في الواقع، ظهر مفتي مصر على شاشة التلفزيون الرسمي المصري، هذا الأسبوع، بمناسبة نهاية شهر رمضان وبداية عيد الفطر، وعلى مكتبه مجسّم خشبي لدولة فلسطين، عاصمتها القدس. نحن نتحدث هنا عن أعلى سلطة دينية في مصر، والتي لها تأثير كبير في الرأي العام في البلد.


عرضت مصر خطتها بشأن قطاع غزة، من دون أن تقدم إشارة، أو حلاً لمشكلة "حماس"، ووفقاً لتقارير مختلفة خلال الأسبوع الماضي، طلب جهاز الاستخبارات المصري من إسرائيل عدم المساس بمسؤولي "حماس"، بدعوى أن هؤلاء الأطراف تتعامل معهم، وأن تصفيتهم تخدم الجناح العسكري (بينما نلاحظ أن الامتناع من استهدافهم منذ السابع من أكتوبر عزّز، فعلاً، مكانة "حماس" في الشارع الغزّي، وأيضاً عزّز قوة الجناح العسكري). إذاً، أيُّ مصر علينا أن نصدّق؟.


أو بدلاً من ذلك، دعونا نأخذ "الصديقة المقرّبة"، المملكة العربية السعودية، التي حرصت، قبل نحو شهر، على استضافة "الرئيس السوري الجديد" أبو محمد الجولاني، وهذا الأسبوع، باركت تأليف الحكومة الجديدة، وأعربت عن تطلّعها إلى التعاون معها، على الرغم من الأذى الشديد الذي لحِق بالأقليات، وعلى الرغم من إنشاء مجلس شريعة، لأول مرة في سورية. وبالتوازي، حرصت هذا الأسبوع على استضافة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام.
 

أو لنأخذ سورية مثالاً، التي ألّفت هذا الأسبوع حكومة جديدة تضمنت تمثيلاً رمزياً لوزير واحد من المسيحيين والدروز والعلويين، وتولّت فيها امرأة واحدة (مسيحية) منصب وزيرة العمل والرعاية الاجتماعية. لكن مع ارتداء البدلات الرسمية، حرصت سورية، ولأول مرة في تاريخها، على إنشاء مجلس شريعة مكوّن من 15 شخصاً، مهمته ضمان تطبيق حُكم الإسلام، وأطلقت برنامجاً تعليمياً متطرفاً في المدارس يهدف إلى أسلمة متطرفة وتشجيع الإرهاب.. مثال آخر، لبنان، الذي يسعى لاستمالة دول الشرق الأوسط وأوروبا، تحت غطاء حكومته الجديدة، لكن حتى الآن، لم تتخذ هذه الحكومة الجديدة خطوات ضد حزب الله، وأعلنت أنها غير مستعدة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل..


مثال آخر، إيران الكبرى، التي تُبدي استعداداً لمحادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها، ولأول مرة هذا الأسبوع، هدّدت على لسان أحد كبار مسؤولي النظام، علي لاريجاني، بأنها ستتجه بالتأكيد نحو امتلاك سلاح نووي، إذا تعرّضت لهجوم، وفي الوقت نفسه، لا توقف تقدُّمها السريع في برنامجها النووي...
وأخيراً، وليس آخراً، تركيا، التي على الرغم من تصريحاتها الصريحة والواضحة ضد إسرائيل (بما في ذلك ما قاله، هذا الأسبوع، رجب طيب أردوغان نفسه، حين قال "ليُنزل الله الدمار على إسرائيل الصهيونية")، لا تتعرض لأيّ إدانة، بل تحظى، لسبب ما، بعناق من الولايات المتحدة. هذا الأسبوع، التقى وزير الخارجية التركي وزير الخارجية الأميركي، وجرى البحث في صفقة بيع طائرات F-35 لتركيا، من ضمن المواضيع المطروحة، وبهدوء تام، تحاول "سرقة الخيول" من الأراضي السورية، من خلال إنشاء بنى تحتية عسكرية ونشر قوات عسكرية تركية "لمساعدة" النظام الجديد على الاستقرار.


إذاً، إذا أردنا التلخيص، بحسب تصوُّرنا للواقع، ترى إسرائيل أنها أحدثت "ردعاً" في المنطقة بكاملها بفضل الإنجازات العسكرية العديدة التي حققتها، ولا تزال تحققها، لكن في الواقع، تبدو الأمور مختلفة قليلاً، فالشرق الأوسط يواصل التصرف مثلما اعتاد دائماً: كثير من الأقنعة، وكثير من "نعم، ولكن" في الرد على طلبات الولايات المتحدة، لكن فعلياً، حتى بعد تولّي دونالد ترامب منصبه، وحتى بعد الإنجازات العسكرية الكبيرة، فإن الخطاب السائد في الشرق الأوسط لا يزال هو نفسه الخطاب الذي كان قائماً قبل السابع من أكتوبر.


وبالذات بسبب الإمكانات الكبيرة الكامنة في شرق أوسط مختلف/جديد، أعتقد أن إسرائيل مطالَبة بشيء مختلف، انطلاقاً من الإدراك أن "الخطاب العسكري" هو خطاب محدود في نهاية المطاف، وقدرته على تحريك عمليات طويلة الأمد هي قدرة محدودة. تكمن قوة "الخطاب العسكري" في إحباط قدرات العدو وقوته العسكرية، لكن لا أحد من الأعداء (باستثناء غزة، وحتى هناك، الأمر صعب) يخشى من أن تحاول إسرائيل المسّ بمكانته، أو بنظام حُكمه، ولهذا، فإن الخطاب العسكري يظلّ خطاباً عسكرياً فقط، والأمور العسكرية قابلة للتعديل دائماً.


وبناءً عليه، من الصواب أن تنظر إسرائيل إلى الخطوات التالية المطلوبة:
الوقت يداهم، ولا يوجد فراغ، لا يمكن الانتظار؛ في الفراغ، تدخل أطراف أُخرى، وتفرض حقائق على الأرض، سيكون من الصعب جداً تغييرها لاحقاً.
يجب أن نستوعب أن محور المقاومة الشيعي لا يزال قائماً، لكن لأول مرة، يقف أمامه وأمامنا أيضاً محور مقاومة جديد؛ إسلامي سُنّي متطرف من بيت الإخوان المسلمين وداعش، بدعم تركي كبير، ويجب العمل على مواجهته.


يجب طرح رؤية ترامب للشرق الأوسط (IMEC) المحور الاقتصادي، بدءاً من الهند، مروراً بالسعودية والأردن وإسرائيل) في مواجهة التهديدات الرئيسية الماثلة أمامه، وعلى رأسها المحور الاقتصادي المنافس (محور الغاز) الذي يحاول كلٌّ من قطر وتركيا إنشاءه عبر الأراضي السورية...


البدء ببناء إدارة عامة لإعادة إعمار المنطقة، تُنشئ "خطة مارشال" إقليمية جديدة تقودها الولايات المتحدة، وبشراكة مع السعودية والإمارات وإسرائيل، وتنظر إلى المنطقة من خلال رؤية شاملة، لا جزئية، تجاه كل دولة، أو كيان فيها. تنطوي إعادة الإعمار الاقتصادية لدول المنطقة على مبالغ طائلة، ومن المرجح أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، سترغب في المشاركة فيها. لقد بدأت السعودية فعلاً ببذل جهودها المنفصلة إزاء سورية ولبنان. هذه الخطوات قد تكون مفيدة للمصالح الإسرائيلية، لكن يجب أن تُنفّذ بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل كأداة شديدة المركزية في الطريق نحو تحقيق شرق أوسط جديد.


تسريع معالجة شأن غزة (المدني)، حيث تقوم استراتيجية "حماس" على المماطلة، وكسب الوقت، وانتظار ما ستؤول إليه الأمور. أمّا الاستراتيجيا الإسرائيلية، فيجب أن تكون معاكسة تماماً، نظراً إلى الخطر الذي يشكّله استمرار وجود الأسرى في غزة. من الصواب تسريع الإجراءات المدنية؛ بدء توزيع المساعدات الإنسانية من طرف إسرائيل (سواء عبر شركات أجنبية، أو غيرها)، وبالذات الآن، في ظلّ معاناة "حماس" جرّاء أزمة مساعدات ونفاد مخزوناتها، مع بلورة تفاصيل خطة الهجرة الطوعية، بما في ذلك بدء خروج الغزيين من القطاع. هنا تشكل السرعة عاملاً مهماً، ومن المحتمل أنه مع اتخاذ هذه الخطوات، ستسعى "حماس" للإفراج عن مزيد من الأسرى، بهدف "إيقاف الزمن"، ولاحقاً، قد توافق حتى على تقديم تنازلات أكبر من تلك المطروحة بشأن حُكمها وسلاحها ونفي قادتها الكبار.
بلورة سياسة موحدة مع الولايات المتحدة بشأن تركيا، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تدرك أن الأيديولوجيا التركية الحالية تمثل "إيران 2" من منظور غربي، وأن هناك خطراً حقيقياً من أن كلّ ما يُمنح لتركيا اليوم (حرية عمل، وتسليح وما شابه) قد يُهدد مشاريع الولايات المتحدة نفسها في الشرق الأوسط في اليوم التالي لانتهاء الحرب.


بلورة سياسة موحّدة مع الولايات المتحدة بشأن تقليص نفوذ حزب الله المستمر في لبنان، مع التركيز على الشارع اللبناني والخطاب المدني المطلوب (المدعوم بغطاء عسكري) من أجل نزع الشرعية عن التنظيم.


إن الفهم العميق للشرق الأوسط، الذي يعود في هذه الأيام إلى خطابه القديم، لكن تحت غطاء مختلف، إلى جانب الإدراك لمحدودية القوة العسكرية (الضرورية، لكنها ليست كافية وحدها)، واستيعاب الموقف الأميركي، والتطابُق في السياسات، وخطوات فاعلة على الأرض؛ هي الأمور القادرة على إيصال المنطقة بأسرها إلى نظام جديد.

المصادر

بقلم: عميت يغور
المصدر: معاريف

التعليقات (0)