إنعام برقوق تكتب: عدالة جنائية دولية: غائبة في غزة حاضرة في أوكرانيا

profile
  • clock 2 أبريل 2025, 6:58:56 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
إنعام برقوق تكتب: عدالة جنائية دولية: غائبة في غزة حاضرة في أوكرانيا

في مشهد يعكس الفجوة الكبيرة بين العدالة الدولية التي تُطبق بشكل انتقائي في مناطق مختلفة من العالم، تبرز قضية غزة وأوكرانيا كمثالين صارخين على التفاوت في التعامل مع الصراعات الدولية. فإذا كانت العدالة الدولية قد أظهرت حيوية وحضورًا في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، فإنها غابت بشكل لافت عند الحديث عن الحرب الشرسة التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة والتي كان لها تداعيات مدمرة غير مسبوقة لكافة نواحي الحياة واسفر عنها خسارة فادحة في الارواح البشرية.

يبدو أن العدالة الدولية كانت أكثر وضوحًا في الأزمة الأوكرانية التي بدأت مع الغزو الروسي في فبراير 2022. فالحرب في أوكرانيا شهدت تحركًا سريعًا للعديد من القوى العالمية والمنظمات الدولية، التي عملت على فرض عقوبات على روسيا وتقديم دعم مادي ومعنوي لأوكرانيا من خلال الدعم العسكري والسياسي، ومعالجة القضية في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، كان هناك إجماع دولي شبه كامل على ضرورة ردع روسيا والوقوف إلى جانب أوكرانيا. لم تكن القرارات الدولية مجرد بيانات استنكار، بل شملت أيضًا تدابير عملية تمثلت في العقوبات الاقتصادية، وتوريد الأسلحة، والضغط على موسكو لعزلها دوليًا.

بالإضافة إلى اقتراح فكرة إنشاء محكمة دولية خاصة للنظر بجريمة العدوان على أوكرانيا في عام 2023، والذي لاقت ترحيباً دولياً، حيث أكمل الخبراء القانونيون في المجموعة الأساسية العمل الفني على ثلاث مسودات وثائق أساسية ضرورية لإنشاء المحكمة الخاصة. تشمل هذه الوثائق مسودة الاتفاقية الثنائية بين أوكرانيا ومجلس أوروبا بشأن إنشاء المحكمة، مشروع النظام الأساسي للمحكمة الخاصة، وكذلك مسودة اتفاقية موسعة جزئياً بشأن إدارة المحكمة. تم الآن تقديم هذه الوثائق الثلاث للنظر فيها من الناحية السياسية. وقد عقد أعضاء المجموعة الأساسية اجتماعهم الرابع عشر والأخير في ستراسبورغ في مارس 2025 للبحث في هذا الشأن.

وفي حالة غزة، التي تشهد  أزمة إنسانية مروعة بسبب الهجمات الاسرائيلية العسكرية المستمرة والتهجير الجماعي للمدنيين، فضلاً عن القتل والدمار الواسع المستمرين.

وعلى الرغم من اصدار مذكرتي الاعتقال الصادرة عن الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية بحق كل من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الاسرائيلي السابق ويوآف غالانت، وذلك بعد وجود ادلة منطقية عن جرائم المرتكبة في قطاع غزة المحكمة الجنائية الدولية تُواجه تحديات كبيرة تحول دون تنفيذ العدالة. 

إن الفرق بين الموقفين في غزة وأوكرانيا لا يعود فقط إلى اختلاف طبيعة الصراعات، بل يتشابك مع معايير سياسية وقوى إقليمية ودولية مؤثرة. في حالة غزة، تلعب الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة دورًا كبيرًا في تقديم الدعم المتواصل السياسي والعسكري لإسرائيل، مما يحول دون وجود ضغوط حقيقية على اسرائيل لوقف اعتداءاتها على الفلسطينيين. أما في حالة أوكرانيا، فإن دعم الغرب لكييف يتماشى مع مصالحه الإستراتيجية، خصوصًا في سياق التوترات بين روسيا والغرب، حيث يُنظر إلى أوكرانيا كحصن ضد التوسع الروسي في أوروبا.

خاتمة :

تبرز هذه الاختلافات في ردود الفعل الدولية الحاجة الماسة إلى إعادة تقييم مفهوم العدالة الدولية. إذ يصعب الثقة في نظام دولي يدعي الحيادية والعدالة بينما يظهر تفضيله لبعض الأطراف على حساب الآخرين . مما قد يجعل العدالة الدولية قد تتحول إلى مجرد شعار يُرفع في سياقات معينة، بينما يتم التغاضي عنها عندما تكون المصالح الدولية مهددة.

فالعدالة ليست اختيارية، بل هي حجر الزاوية للسلام وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وإن العدالة الدولية هي معيار لا ينبغي أن يتغير تبعًا للمصالح السياسية والاقتصادية. إن استمرار غياب العدالة في غزة، في مقابل حضورها في أوكرانيا، يشكل تحديًا حقيقيًا للمجتمع الدولي. قد تكون الأمور معقدة، ولكن لا بد من تبني موقف أكثر توازنًا وحزمًا يضمن حقوق جميع الشعوب، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو السياسي. 

التعليقات (0)